
بيان إلى شعبينا في سوريا ولبنان
بمناسبة انسحاب القوات السورية وأجهزتها الأمنية من الأراضي اللبنانية في السادس والعشرين من نيسان الماضي، نحيي الشعب اللبناني والمعارضة اللبنانية على تلك الإنجازات الهامة على طريق الحرية والسيادة والاستقلال وبناء الدولة الديمقراطية.
لا يشكل انسحاب الجيش السوري والأجهزة الأمنية السورية من لبنان خسارة لسوريا الدولة والشعب، بقدر ما يعتبر فشلاً للنظام وسياساته. وكان حزبنا سباقاً في انتقاد هذه السياسات. فقد أصدر بياناً قبل تسعة وعشرين عاماً في السابع عشر من حزيران عام 1976، يعارض فيه دخول هذا الجيش وهيمنة النظام السوري على الشؤون اللبنانية أمنياً وسياسياً واقتصادياً. وكان ذلك البيان، في حينه، منعطفاً هاماً وبدايةً لمعارضة حزبنا المعلنة للسلطة.
نهنئ مرة ثانية الشعب اللبناني باستعادة سيادته واستقلاله وحريته. ونحن نعتبر هذا الحدث التاريخي ضماناً للبنان لكي يبني علاقاته الطبيعية والسليمة مع سوريا على قاعدة من الاحترام للاستقلال والسيادة والمصالح الحيوية للدولتين والشعبين.
ليس من مصلحة سوريا وشعبها أن يبقى لبنان رهينة وساحة للصراع الإقليمي. ونحن إذ نحيي جهود المقاومة الوطنية اللبنانية ومقاومة حزب الله، التي نجحت تضحياتها العظيمة في دحر الاحتلال الإسرائيلي من جنوب لبنان في أيار من العام 2000، وفي ظروف مغايرة، فإننا نعتقد أن حزب الله لا بد يدرك أن الظروف الدولية والإقليمية والعربية والوضع اللبناني الجديد قد تغيرت بصورة تستدعي مراجعة جدية لأساليب وأشكال مواجهة العدوانية الإسرائيلية، وبالتالي، عودة الدولة التي احتضنت هذه المقاومة إلى تحمل مسؤولياتها على هذا الصعيد.
وليس من مصلحة سوريا وشعبها إبقاء لبنان مُذلاً ومهاناً تحت هيمنة الأجهزة الأمنية التسلطية السورية والأجهزة اللبنانية المستتبعة من الأزلام والمحاسيب ودكاكين التنظيمات المعلبة والشعارات البائرة.
من مصلحة سوريا وشعبها إنهاء تلك الحقبة من العلاقات السورية اللبنانية وإنهاء عهد الوصاية على الشعب اللبناني، حيث صارت كراسي الوزارة والنيابة تباع وتشرى في بازار الدفع والانحناء والتبعية، وحيث تمكنت سلطة الوصاية، عبر وكلائها وبالأصالة عن نفسها، بمختلف الوسائل والأساليب، من تغييب الشعب وإنهاك الدولة وانتهاكها، وحيث جعلت المرافق الاقتصادية عرضة للنهب والتهريب والفساد، فأفقرت المجتمع في البلدين، وأفقدتهما عناصر القوة والمنعة والوحدة الوطنية.
وقد استغلت السلطة السورية هذا الوضع الشاذ من العلاقات غير المتوازنة بين البلدين، لتفرض على "الأشقاء" اللبنانيين مجموعة من الاتفاقات والمعاهدات الثنائية. فأحكمت هيمنتها على لبنان وأطلقت يد المافيات المشتركة، التي عبثت بمقدرات الشعبين دون رقيب أو حسيب.
ونتيجة للدخول الموغل في زواريب الطوائف وعربدة السطوة الأمنية، أحسًَ اللبنانيون بأسرهم بالغبن، وشعروا أنهم موضع الاستهداف مما يجري في بلادهم، فعادت أجواء الاستقطاب الحاد تحت مشاعر "الغالب والمغلوب". وكان هذا عكس ما أراده مشروع الوفاق الوطني في اتفاق الطائف الذي ركنته السلطتان التوأمان في أدراج النسيان.
لم يستطع العقل الاستبدادي الأمني الذي قاد البلدين أن يستشف حقيقة المتغيرات الجديدة العالمية والإقليمية بعد الحادي عشر من أيلول وبعد الاحتلال الأمريكي للعراق. وأخطأ في ترجمة الإشارات والرسائل العديدة إقليمياً ودولياً ونام على حرير سياساته السابقة القائمة على المقايضة مع الأميركيين خارج مصالح الشعبين. فاندفع بحركة غير محسوبة للتمديد للرئيس اللبناني. وأدى هذا الاندفاع إلى صدور القرار الدولي 1559 وإلى تحرك الشارع السياسي اللبناني لإعادة ترتيب نفسه. فانتظم في معارضة جادة، بالوسائل الديمقراطية، تعدت الحدود بين الطوائف والأحزاب والمناطق لتشمل كل لبنان، خصوصاً بعد جريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري، الشخصية اللبنانية والعربية والدولية المرموقة، وتحولت بيروت إلى بؤرة للسياسة الشعبية الفعالة عبر تلك الحشود التي توحدت في سعيها إلى الحرية والديمقراطية والسيادة تحت علم البلاد الواحد. وأظهرت أن لا مستقبل في هذا الصراع لخيار آخر غير هذا الخيار، وأن ما سمي بـ"الخيار الثالث" لا يعكس سوى التردد الذي لن يكون له دور في صنع لبنان الجديد.
ليس من مستقبل للمتباكين على الانسحاب السوري على جانبي الحدود. ولن تستطيع زمر الأزلام والمنتفعين والأبواق الإعلامية، أن تشوه حقيقة العلاقة بيننا، أو تعيد التاريخ إلى الوراء. فنحن معاً، ودائماً سنلتقي... ولن تعكر الأجواء حوادث الاعتداء العابرة على العمال السوريين التي استنكرتها معنا قوى المعارضة الشجاعة، فتنادت للدفاع عنهم، وأثبتت بطلان التهم التي توجه لها بمعاداة سوريا والسوريين.
إن عوامل التاريخ والجغرافيا والمصلحة المشتركة، هي القاعدة الأساس للتكافؤ والاستقلال التام والاحترام المتبادل بين الدولتين والعلاقات المميزة بين الشعبين الشقيقين. ولن نسمح للماضي القريب، بأخطائه وخطاياه، أن يصبح عبئاً على صنع المستقبل المشترك بيننا.
ونحن إذ نشكر الأقلام والمنابر اللبنانية الحرة، التي وقفت وتقف إلى جانب الشعب السوري في سعيه لإنهاء الاستبداد والانتقال إلى الديمقراطية، فإننا نثق بأن معركة الحريات والتغيير الديمقراطي واحدة في كل من بيروت ودمشق، وأن لبنان الديمقراطي السيد المستقل والمقاوم يكون رئة لسورية، وليس مقراً و ممراً أو ممراً أو ممراًَ للاعتداء عليها. ويبقى دائماً موضع قدوة ومثال، وليس "خاصرتها" الضعيفة. مثلما تبقى سوريا الديمقراطية خير ضمان لاستقرار لبنان واستقلاله ووحدته.
عاشت وحدة القوى الديمقراطية المعارضة في البلدين من أجل وضع حد للاستبداد والدولة المزرعة والسلطة الأمنية الفاسدة.
30/4/2005
المؤتمر السادس
لحزب الشعب الديمقراطي السوري
(الحزب الشيوعي السوري – المكتب السياسي سابقاً)